عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

84

معارج التفكر ودقائق التدبر

وكون اللّه عزّ وجلّ : لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، هي لوازم عقليّة لكونه أحدا صمدا . فالصّفتان الرئيستان اللّتان بيّنتهما سورة « الإخلاص » جوابا لقول المشركين للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنسب لنا ربّك » هما : الأولى : أحديّة الخالق الرّبّ الأزليّ الأبديّ ، فلا شريك له ولا كفء له في أحديّته ، ومن هو أحد لا يمكن أن يكون له نسب حتّى يسأل عن نسبه . الثانية : صمديّة الخالق الرّبّ الأزليّ الأبديّ ، فليس له أصل انفصلت ذاته عنه ، وليس له فرع انفصلت ذاته عن ذاته . ويلزم لزوما عقليّا من أحديّة اللّه وصمديّته ، أنّه لم يلد ، وأنّه لم يولد ، وأنّه لم يكن له كفوا أحد . والصّمد لا يتغيّر ، وكلّ ما سوى اللّه يتغيّر ويتبدّل في درجات الكمال أو دركات النّقص ، ولا يمكن أن يصل بحال من الأحوال إلى نهاية الكمال في كلّ شيء ، لأنّ استجماع كلّ الكمالات من خصائص الأحد الصّمد الخالق الرّبّ الأزليّ الأبديّ . ولمّا كان سؤال المشركين عن نسب الرّبّ الّذي يدعو الرسول إلى عبادته وحده ، يدلّ على أنّهم يتوهّمون أنّ له أصولا نسبيّة ، واحتمال أن تكون له ذرّيّة ، وأن تكون له صاحبة تنجب له الأولاد ، أبان اللّه عزّ وجلّ أنّه صمد . أمّا كلّ ما سوى اللّه عزّ وجلّ فلم يخلقه اللّه صمدا ، بل له جوف قابل لأن يدخل فيه شيء من غيره ، فتتغيّر بذلك صفته ، وقابل لأن ينفصل منه شيء ، فتتغيّر بذلك صفته .